مواطن إماراتي مغلوب على أمره

ليس لدي ما أقوله، فقد تلاشيت كظلي الذي كان هناك..

emarati فى 11 - أكتوبر - 2009

 

التلويح بـ"السيادة" ليس جواباً ناضجاً
أحمد منصور – الإمارات
11 أكتوبر 2009
لم يحدث قط أن قرأت هذا الكم الهائل من مفردة "سيادة" و مشتقاتها في صحافتنا المحلية الإماراتية قبل اللغط الأخير بشأن قضية المبعدين اللبنانين التي أخذت بعداً إعلامياً غير مسبوق مقارنة بمثيلاتها من الأحداث. ويبدو أن كتاب صحافتنا المحلية لم يألوا جهداً بالتخندق حول مفردة "السيادة" لتبرير الإبعاد و إعطائه الشرعية اللآزمة. و العارف لخبايا صحافتنا المحلية ودهاليزها، يدرك تماماً أن زخم الردود هذا لا يأتي من فراغ، وأن هناك أوامر قد تكون مباشرة للكتابة حول الموضوع، و يبدو ذلك جلياً في مقال أحد كتاب الرأي وقد عنونه بـ "لا عودة للمبعدين اللبنانين"، وهي جملة خبرية قطعية لا تصدر عادة إلا عن الحكومات و صانعي القرار السياسي في الدول أو المتحدثين الرسميين بالنيابة عنهم.
من المؤكد أن أمن وسلامة الدولة خطين أحمرين لا يمكن التهاون بهما، ومن المؤكد أيضاً أن أحداً لا يمكنه أن يشكك في موقف الإمارات التاريخي من القضية الفلسطينية في كل تأزماتها و انفراجاتها النسبية، أو من مساعدة لبنان و دعمة في حالات السلم و الحرب و ما بينهما. كما أنه لا يمكن التشكيك على السعة التعايشية الكبيرة بين مختلف الجنسيات و الثقافات و الديانات و الطوائف التي تحتضنها الإمارات، وهذا يحسب للإمارات و بشكل كبير. لكن هل يكفي سرد ذلك، مصحوباً بالكملة السحرية "السيادة"، لدحض حالة خاصة ذات أبعاد معلومة؟

القضية كما يرويها المبعدون اللبنانيون تتعلق بمنعهم من دخول الدولة و إبعاد البعض منهم، بعد رفضهم الإنصياع لطلب الجهات الأمنية الإماراتية في التجسس على بعض أفراد جاليتهم اللبنانية التي ربما تكون على صلة بحزب الله. و الرواية من الجانب الإماراتي، كما أوردتها بعض الصحف، تتعلق بقيام المبعدين بممارسات لا تتفق و سبب وجودهم في الدولة، دون أن يكون هناك تصريحاً مباشراً حول ماهية تلك الممارسات، بالرغم مما تحدث عنه الإعلام حول قيام المبعدين بجمع تبرعات لصالح حزب الله أو التجسس لصالحه كما ذهبت بعض الآخبار الأخرى. وقد اختلفت الجهتان على الأرقام كما اختلفت على سبب الإبعاد؛ ففي حين يقول الجاني الأول أن عدد المبعدين هو 300 شخصاً، يقول الجانب الإماراتي أن من تم إبعادهم هم 49 شخصاً فحسب. تناقضت كبيرة بين الجانبين لا يمكن معها معرفة الحقيقة على وجه الدقة؛ خاصة مع عدم وجود تصريح إماراتي رسمي صريح و مباشر حول المسألة. ويبدو أن الإمارات أخذت تنتهج سياسة صارمة في عدم الإدلاء بتصريحات رسمية حول بعض القضايا التي أثيرت مؤخراً – و أبرزها عدم نفي الإمارات فتح مجالها الجوي للطيران الإسرائيلي في الوقت الذي نفت فيه البحرين ذلك.
افتقاد التصريح الرسمي الإماراتي ليس في صالح الإمارات، و الجدل الإعلامي الدائر و بعض الردود النارية التي انتهجها بعض الكتاب و رؤساء التحرير، مدفوعين بخلفية بعضهم العسكرية (التي لا يبدو ان المناصب المدنية ساهمت في تهدئتها)، لن تقنع الرأي العام الدولي، كما أنها لن تعيد لصحافتنا المحلية فقدان الثقة المزمن لدى الجمهور فيها، و تبقى بذلك الصحافة الغربية، وحتى العربية الأخرى، أكثر مصداقية لدى شريحة عريضة من قُرّاء الداخل.
ما يتوجب فعله هو خروج المؤسسات الرسمية في الدولة عن صمتها المريب في التعاطي مع الاحداث التي من شأنها أن تشكل رأياً عاماً سلبياً في الداخل أو في الخارج على حدٍ سواء، و إيضاح الأسباب التي دعت الحكومة الإماراتية للتصرف على هذا النحو، أما الإعتماد على الصحافة في تمرير المواقف، فلا يعد موقفاَ رسمياً للدولة، و الإرتكان إليها لن يوصلنا إلى نتيجة، وبما أننا نتحث عن دولة "القانون"، ودولة "المؤسسات"، فمن الأجدر بهما أن يأخذا دورهما هنا في التعاطي مع المسألة بدلاً من الإعلام الذي لا يتحلى بالشرعية اللآزمة للقيام بذلك.
كما أن الحديث عن دولة "القانون" يجرنا إلى التساؤل عن ظروف الإبعاد و طبيعة الإجراءات التي اتخذت في حق هؤلاء المبعدين، وما هي الأدلة التي وجدت ضدهم، وهل تم إعطاؤهم حق الدفاع و التقاضي، وما هي الجهة التي قامت بإبعادهم، و إذا كانت هذه الجهة (أو الجهات) تمتلك أدلة حول تورط هؤلاء الأشخاص في أعمال منافية للمعمول به في الدولة من قوانين، فلمَ لا يتم إتخاذ الإجراءات القانونية اللآزمة بحقهم و تقديمهم للمحاكمة إن كان الأمر يقتضي ذلك؛ فالظروف التي يتم على أساسها إبعاد أي شخص من الدولة يفترض أنها محددة في القانون، و عدم تطبيقها بشكلها الصحيح من من قبل جهات رسمية، يعد بحد ذاته، تعدياً على القانون؟
أما التذرع بـ"السيادي" فلن يؤتي النتيجة المرجوة، و لن يريح النفوس، ولن يعيد الحقوق لأصحابها، ولن يمسح ما يعلق بثوب الإمارات من شوائب غير مرجوة. صحيح إن الحق السيادي لكل دولة هو حق مكفول في كل الشراع الدولية و تؤكد علية مواثيق الإمم المتحدة. إلا أنه أيضاً حق "نسبي" من المنظور الدولي و التقني على حدٍ سواء، فالعارفين بالهرم التشريعي يدركون أن القانون الدولي يأتي في مرحلة أعلى من الدساتير، و الحق السيادي لم يمنع المجتمع الدولي من التدخل في يوغسلافيا و العراق عسكرياً، و في السودان و كوريا الشمالية، وكوبا والصومال و غيرها من الدول تدخلاً سياسياً أو اقتصادياً. و على الرغم من عدم تناسب الأسباب التي أدت إلى التدخل الدولي في الامثلة السابقة مع تلك المطروحة هنا في سياق قضية المبعدين، إلا أنه لا يجب علينا الحكم بمطلقية السيادة، والتي زادت التقنيات الحديثة ووسائل الإتصال من أوجاعها، فأصبحت الحدود بمعناها التقليدي فكرة تواجه مصير وجودي عسير و "غير مهضوم" على أقل تقدير؛ فالإختراقات التي تحدث عبر الحدود الآن، و تهدد السيادات الداخلية، ليست بالضرورة قوات عسكرية و جيوش و مدرعات وما إلى هنالك، حيث يمكن لصورة تهبط عبر الفضاء أو عبر الأسلاك التي تعصب رأس الكرة الأرضية أن تحدث هزات كبرى في دول ذات سيادة بالمعنى التقليدي، دون ان يكون هناك اختراق جغرافي من أي نوع.
و عليه، نرى أنه من الأجدى و الأنفع لنا و لدولتنا معالجة المسألة بشكل شفاف و صريح و عبر القانون، و بما ان الموضوع أخذ بعداً إعلامياً (و الذي ربما لم يكن ليعالج لولا ذلك البعد الإعلامي)، فربما لا يوجد هناك مفراً من التعاطي معه أيضاً إعلام
ياً، وقد بدأت بعض الصحف المحلية مؤخراً تغطية الحدث بشكل أقل تحفظاً من السابق، ليس بدافع الشفافية كما أعتقد، و إنما لأن الأخبار سترد و تقرأ في كل الحالات من جهات أخرى إلم تفعل.
التصنيفات: غير مصنف

تعليق واحد

  1. غير معروف قال:

    اتمنى ان تزول هذه المشاحنات.

    تأجير طائرات

اترك تعليقاً

To use reCAPTCHA you must get an API key from https://www.google.com/recaptcha/admin/create