تلك المصانع تنتج الإسمنت و تقتل الإنسان والبيئة، تضخ اسمنتا رخيصا ذا جودة عالية للسوق المحلي "النهم" لتلك المواد لما تشهده الدولة من نمو عمراني منقطع النظير، يعمل بشكل واضح وعلني على سحق التركيبة السكانية لصالح القادمون الجدد وضخ الملايين، بل المليارات، لجيوب سماسرة الأرض والعقار. هناك إذا سلسة ضخمة متشعبة ومتداخلة من المصالح، لا يأتي الإنسان ضمن أولوياتها ولا حتى على ذيل قائمتها على الإطلاق، وربما يكاد لا يلتفت أحدا إلى تلك الصرخات الآتية من تحت أغبرة المصانع، إلا عندما تتحدث صحيفة ما أو تعرض قناة إخبارية ما، الوضع المأساوي البالغ الخطورة الذي يتعرض له أبناء تلك المناطق، والذين هم، بالمصادفة، أبناء دولة الإمارات في أغلبهم الأعم. إلا أن الحديث حول هذه المأساة المستمرة منذ ما يربو على الخمسة والعشرين سنة الماضية، بدأ يأخذ منحى جديدا عند طرحه في أروقة المجلس الوطني و استصدار توصيات بشأنه سترفع إلى مجلس الوزراء قريبا إلّم تكن قد رفعت.
فكرة التهجير ليست فكرة غير منطقية على الإطلاق، فالحكومة ترى كما يبدو أن التهجير مبرر اقتصاديا؛ فإنتاج 30 ألف طن يوميا من الإسمنت وما يزيد على 100 ألف طن من مختلف مواد البناء يوميا، يكون بالتأكيد مبررا اقتصاديا في ظل اقتصاد رأسمالي متعولم لا يضع الإنسان في حساباته؛ فماذا يعني أن يصاب أبناء تلك المناطق بمختلف الأمراض كالربو الحاد والحساسية، ماذا يعني ظهور العديد من الحالات السرطانية بشكل يكاد يكّون ظاهرة، و ماذا يعني أن يستقبل مشفى صغيرا كمشفى شعم 150 حالة ربو يوميا حسب بعض التقارير الصحفية، ماذا يعني اهتراء البيئة و تدهور الحياة الطبيعية فيها، ماذا يعني أن تتحول تلك المناطق الخلابة الذي يضع فيها الإنسان أطراف أصابعه في البحر بينما يتكئ ظهره على جبالها الشامخة، أن تتحول إلى مناطق يعيش فيها الإنسان مرغما بحكم النشأة والتكوين لا أكثر، ماذا يعني أن تتحول تلك المصايف التي كانت كذلك في بداية عمر الإتحاد وقبله حتى، إلى مراتع للغبار والسموم والأخطار الجسمية التي تحدق بالعابرين خلالها وإليها، ماذا يعني أن تفتك الشاحنات العملاقة المحملة بالإسمنت والحجارة الهائلة التي تمول المشاريع العملاقة في الدولة، أن تفتك برواد الطريق اليومي وأن تفتك بالطريق ذاته، ماذا يعني كل ذلك مقابل ما يجنية المنتفعون بمردودات المصانع و أولئك المنتفعون من الحصاد العقاري الجالب للهجرة المفتوحة، إلى أرض، تبدو كما لو أن لا شعب لها. بالتأكيد لا يبدو أن كل ذلك يعني شيئا من منطق الحساب الإقتصادي الصرف. الخبر ذاته يحض على "الانتقال إلى مناطق أخرى بعيدا عن الأنشطة الصناعية في بيئة صحية تتوافر فيها الخدمات والمرافق"، ذلك يعني ضمنيا أن تلك المناطق، وبتصريح رسمي، في وضعها الحالي، غير صحية وغير صالحة للعيش البشري، وهذه هي عين الحقيقة لمن خبر تلك المناطق وعاش فيها، فتلك المناطق المحاطة بستة مصانع للإسمنت و ونحو العشرين كسارة، لم تعد تعد بالتأكيد صالحة للعيش البشري، ربما حتى الحيواني! فقد خلصت آخر الأبحاث العلمية التي اجراها باحثون أمريكيون تتعلق بتلوث الهواء والأزمات القلبية، خلصت إلى "أن جزيئات صغيرة من ملوثات الهواء- أقل من عشر سمك شعرة الإنسان- يمكن أن تحدث الجلطة والسكتات الدماغية. كما أظهرت الدراسات أن المصانع التي تعمل بحرق الفحم تزيد من مخاطر الإصابة بالأزمات القلبية والسكتات"، وكل هذا موجود في منطقة خور خوير، فكيف يمكن أن تكون صالحة للعيش البشري، خاصة أن خمسة مصانع من أصل المصانع الستة تعمل على الفحم الحجري.
المحزن إذا، ولن أقول المستغرب، في الأمر، أن الحكومة لم تجد سبيلا لحل أزمة قاطني تلك المناطق في شمال الإمارة سوى بترغيب الأهالي بالهجرة إلى مناطق لم يألفوها، مناطق لا تمت إلى ذاكرتهم الجماعية أو الفردية بصلة، مناطق لم يألفو أشجارها ولن تعوض لهم خسارة بحرهم، مناطق لن تشرق الشمس من خلف جبالها ولن تنحدر السيول في وديانها، مناطق لن تمنحهم ذلك الدفء الغامض الذي تعودوا علية دون أن يعرفوا مصدرا له. لم يدر بخلد الحكومة في محاولاتها "لطي ملف المساكن القريبة والمحاطة بالمنشآت الصناعية"، أن تلك المصانع هي التي طرأت على المكان، المأهول سلفا، وانتهكته بشكل صارخ، وانتهكت معه حقوق الأهالي التي كفلتها لهم القوانين الإنسانية والبيئية والأخلاقية و دستور الإمارات والخطابات المعلنة لرئيس الدولة والحكومة الإتحادية وغيرها، وبما أنها الطارئ، وهذا ما تؤكدة الحقيقة التاريخية، فكان من الأولى أن تقوم الحكومة بنقل المصانع لطي هذا الملف العتيد السيء السمعة، لكن الحكومة، و لسبب ما، ارتأت أنه من الأجدى نقل الناس من هناك، فذلك يبدو أكثرى جدوى من الناحية الإقتصادية.
أما المحير فعلا فهو استمرار وجود هذه المأساة البيئية المنقطعة النظير في دولة تطلق مبادرات كبيرة تتعلق بحماية البيئة والطاقة النظيفة والحد من ملوثات الهواء، ربما ليس آخرها تشييد ما يوصف باول مدينة بلا كربون ولا نفايات فى العالم، حيث تعتمد كليا على الطاقة المتجددة ويكلف بناؤها 22 مليار دولار، كما تم إطلاق مبادرة أبوظبي العالمية للبيانات البيئية قبل ذلك في عام 2002، كل ذلك، مما جعل برنامج الأمم المتحدة للبيئة يختار مواطنا إماراتيا ليكون ممثلا لمديره التنفيذي بالمنطقة، وقد سبق ذلك أيضا اختيار سيدة إماراتية عضوة في المجلس الإداري للميثاق العالمي للأمم المتحدة، التي تأتي البيئة من ضمن أولوياته، فلماذا يا ترى كل هذا التواني في وضع حل جدري يقوم على نقل المصانع من محيط القرى السكنية إلى أماكن بعيدة غير مأهولة، علما أن القيام بذلك، لن يكلف ربع المبلغ المرصود لمدينة "مصدر" المدينة اللاكربونية!
مسلسل الترحيل الطوعي هذا إن بدأ، فلن ينتهي بمنطقتي خور خوير والسلية، بل سيتعداهما إلى جميع القرى والمناطق المجاورة التي تقع في مرمى المصانع – كقرية شعم و الجير و غليلة والرحبة مرورا بخورخوير ووصولا ربما إلى الرمس، وهو ما يعني عمليا، تهجير ما يقارب الأربعين ألف نسمة (حسب تقديري الشخصي لعدم توفري على معلوات دقيقة بهذا الشأن) من سكان إمارة رأس الخيمة إلى مناطق جديدة، والسيناريوهات الأكثر احتمالا للمصير النهائي لتلك المناطق، هو إما تحويلها إلى مناطق صناعية بحتة تنتهي معها تقريبا جميع أشكال الحياة الإنسانية والطبيعية الأخرى، فيما عدا بعض المنتجعات الخاصة ذات الطابع الحديث و سكنات العمال، و إما، قيام الحكومة بشراء تلك المناطق بشكل تدريجي من الأهالي، ثم تحويلها إلة مناطق حرة، كما يحدث في مناطق ساحلية أخرى في الإماراة، حيث يتم بيع تلك الآراضي لمطورين عقاريين يقوموا بدورهم ببيع الوحدات المزمع تتطويرها وجلب عدد كبير من القادمين الجدد- الذين ربما تكون لهم سطوة أكبر من سطوة أبناء في التأثير على موقف الحكومة من المصانع، سطوة، ربما تصاحبها ضغوط خارجية تعمل على إغلاق المصانع، أو نقلها على اقل تقدير.
الخبر إذا يقول أن "الإنتقال اختياري"، لكن الخيارات المطرحة والتي على أبناء تلك المناطق أن يفاضلوا بينها، هي إما "التهجير الإختياري" هذا أو مواجهة المصير المحتوم تحت وطأة سموم تلك المصانع و أغبرتها الفتاكة. خياران أحلاهما إذا مر، فكيف يمكن للإنسان أن يخير بين التهجير أو الموت، البطيء ربما، لكنه موت على كل حال؟! آمل ألا يسمتر الحال كذلك طويلا، فقد تفاقمت الأمور هناك ووصلت إلى مراحل خطيرة تستوجب حلا ينتصر للإنسان والبيئة وليس للمصانع والكسارات وحسابات البنوك.
أحمد منصور
مواطن إماراتي مغلوب على أمره



جريدة الخليج تنشر الموضوع أعلاه مشوها بعد أن نامت عليه دهرا
المقال كما ورد في جريدة الخليج:
أولويات نأمل مراعاتها
نشرت جريدة “الخليج” في عددها الصادر يوم الجمعة الموافق 11 إبريل/نيسان ،2008 خبرا تحت عنوان “ تسليم 50 مسكنا لأهالي خور خوير والسلية”، وجاء في سياق الخبر أن خيار الانتقال إلى المساكن الجديدة التي تم تشييدها في منطقة الظيت الجنوبي بأيدي الأهالي، وأن الحكومة لا تجبرهم على ذلك، إلا أنها في الوقت ذاته تحثهم على “التجاوب مع جهود حكومة رأس الخيمة لتوفير بيئة سكنية عصرية ومناسبة لهم وصولا إلى معالجة وطي ملف المساكن القريبة والمحاطة بالمنشآت الصناعية” على حد تعبير الخبر. ولمن لا يعرف منطقة خور خوير والمناطق المجاورة لها، فإنها قرية ساحلية صغيرة في شمال إمارة رأس الخيمة بالقرب من منطقتي غليلة وشعم، إلا أن أكثر ما يميز منطقة خور خوير هو الوجود الكثيف لمصانع الاسمنت والكسارات وشاحنات النقل الثقيلة؛ حيث توجد على مساحة لا تتعدى الكيلومترات الستة عدة مصانع للاسمنت وما يقارب العشرين كسارة، لا يفصل بينها وبين المناطق السكنية سوى مئات قليلة من الأمتار؛ إذ كل ذلك يحصل في شريط ساحلي جبلي ضيق لا تتعدى مسافته الكيلومتر الواحد.
والانتقال من تلك المناطق إذاً هو خيار يملك قراره الأهالي كما ورد في الخبر، إلا أن المطالبات الحثيثة من قبل الحكومة وعدم اتخاذ السلطات المحلية ما من شأنه أن يغير الواقع الديموغرافي لمصلحة البشر بدلا من المصانع والشاحنات العملاقة التي أدت إلى كوارث مفجعة، إنما تدل على أن ما يخطط له هو إفراغ تلك المنطقة من البشر والتوسع صناعيا فيها، في محاولة، تبدو أقرب إلى “الترحيل الطوعي” منها إلى ايجاد حلول جذرية لمشكلة أزلية؛ حيث لا خيار آخر سوى الانتقال أو مواجهة “مصانع الموت” وجها لوجه لما تشهده الدولة من نمو عمراني منقطع النظير، وربما لا يكاد يلتفت أحد إلى تلك الصرخات الآتية من تحت غبار المصانع، إلا عندما تتحدث صحيفة ما أو تعرض قناة إخبارية ما، الوضع المأساوي البالغ الخطورة الذي يتعرض له أبناء تلك المناطق، إلا أن الحديث حول هذه المأساة المستمرة منذ ما يربو على ال25 سنة الماضية، بدأ يأخذ منحى جديدا عند طرحه في أروقة المجلس الوطني واستصدار توصيات بشأنه.
فكرة التهجير ليست فكرة غير منطقية على الإطلاق، فإنتاج 30 ألف طن يوميا من الأسمنت وما يزيد على 100 ألف طن من مختلف مواد البناء يوميا، يكون بالتأكيد مبررا اقتصاديا، لكن ماذا يعني أن يصاب أبناء تلك المناطق بمختلف الأمراض كالربو الحاد والحساسية؟ وماذا يعني أن يستقبل مشفى صغير كمشفى شعم 150 حالة ربو يوميا حسب بعض التقارير الصحافية؟ وماذا يعني اهتراء البيئة وتدهور الحياة الطبيعية فيها؟ ماذا يعني أن تتحول تلك المناطق الخلابة التي يضع فيها الإنسان أطراف أصابعه في البحر بينما يتكئ ظهره على جبالها الشامخة، إلى مناطق يعيش فيها الإنسان مرغما بحكم النشأة والتكوين لا أكثر؟ ماذا يعني أن تتحول تلك المصايف، إلى مراتع للغبار والسموم والأخطار الجسمية التي تحدق بالعابرين خلالها وإليها؟ ماذا يعني أن تفتك الشاحنات العملاقة المحملة بالأسمنت والحجارة الهائلة، برواد الطريق اليومي قبل أن تفتك بالطريق ذاته؟ ماذا يعني كل ذلك؟
أسئلة تحتاج إلى إجابات قاطعة قبل الشروع في حلول أو خيارات قد لا تنتصر للإنسان.
أحمد منصور - الإمارات
http://www.alkhaleej.ae/portal/66226b81-3aaa-4e12-bba3-34c8a3318427.aspx