الطفرات التي مرت بها الامارات منذ ظهور النفط الى الان، مرت بلحظات مخاض عصيبة جرّت معها من الويلات ما كان بصعب التنذر به لمجتمع يعيش بسلام مع نفسه ومع الاخرين. إلا أن البصيرة لدينا، كما يبدو، مفقوءة المقل، والوعي لدينا لا يحتمل تمحيص الامور برويّة وإستكانة؛ فالخراب الذي جررناه على أنفسنا منذ عقود، ها نحن نجرّه مجددا، وكما يقال، فالطريق الى الجحيم مفروش بالورود؛ ونحن كما يبدوا قد إستمرأنا لعبة المشي حفاة على الورود.
لماذا علينا القيام ببلورة خراب ما كل عقد يمر علينا لنأتِِ في العقد الذي يليه ونبحث له عن حلول؟! ألم تكن طفرة بيع التأشيرات التي إستشرت في الثمانينيات والتسعينيات إحدى تلك الدمارات التي جررنها الى أنفسنا؟ ثم ألم تكن الفئة المستفيدة من ذلك الفعل هي تلك الفئة المتنفذة وكان بعضها مرتبط بالسلطة ربما بشكل مباشر او غير مباشر؟! ألم يصرخ ذوو العقول النيّرة آنذاك ملئ افواههم بالخراب القادم؟ لكن هل سمعهم أحد ياترى؟! هل عرف احد حقيقة الهم الذي ينطلقون منه، وهل كان لصراخهم مغزى آخر غير الحرقة الوطنية و التريب من محق ذاكرة جماعية وأعادة تشكيلها بشكل إعتباطي و غير واعٍ؟!
فالخراب الذي خططنا له بشكل نادر الدقة في تلك الايام، ها نحن نلعنه اليوم وتلعنه الاجيال الجديدة وتلعننا معه؛ فقد حشرناهم في خانة "اليك" كما يقال، ووضعناهم امام كارثة سكانية أصبح ينظر اليها اليوم على انها "أزمة وطنية"! كيف و لماذا لم تكن كذلك آنذاك؟! وماذا فعلنا لنحاسب المسؤولين عن إحداث هذا الخلل الذي قلب الموازين العالمية رأسا على عقب؟! ثم هل تروينا بعد ذلك في قراراتنا كي لا نتورط في أزمة او أزمات مشابهة في المستقبل المنظور!!
ذلك في الحقيقة ما يحزن؛ أن تباع أوطان لصالح فئات متنفذة وتمتلك إتخاذ القرارات بمنأئ عن المشاركة الشعبية أو حتى عن المسآءلة؛ فماذا تبقى لنا من وطننا! ها قد جزّء الى "كانتونات" بدأت صغيرة و أخذت بالتوسع كدوائر الماء، وأصبحنا نرقب بعين مشلولة تلك المدن الجبارة التي تولد بين ليلة و ضحاها وتسمى مدن "المناطق الحرة"؛ وهي فعلا حرة؛ حرة بما تفعله بنا، حرة بما تدفعنا اليه من سخط عميق على الذات المقيدة بمنطق العيش الرغيد، حرة في تشكيل مستقبل لأجيالنا القادمة بوتيرة فاترة، حرة في منحنا غربة مجانية في البلد الذي يحاولوأ، عبثا، إقناعنا بأنه وطن!
لقد نشرت هنا في مجان موضوعا عنوانه "تمليك حر، هل تباع على إثره أوطان"، وها قد إستشرى أمر التمليك الحر؛ فالكل الان يملّك 100% وبدون مدة زمنية محددة ، والنماطق الحرة القيد التنفيذ الان، ربما تكفي أبناء البلد لقرون قادمة؛ لكنها هل بنيت من أجلهم؟ وهل لنا من حق في الأعتراض؟ هل من حقهم أن يصمموا لنا وطن كيفما شآؤا ويغرسوه عنوة في دمائنا؟ وهل من حق لنا ان نرفضه؟
هل مازال هناك مجال للحلم في لملمة شذرات متبقية لفتات كان في يوم إسمه "مشروع وطن"؟!
كاتب المقال: جيفارا غاندي
نشر في موقع مجان المغلق قي إبريل 2006



