"إيرينا" فرحة إماراتية يلوثها غبار المصانع

 الإمارات: 30 يونيو 2009

بقلم: أحمد منصور

أقرت اللجنة التحضيرية للوكالة الدولية للطاقة المتجددة "إيرينا" في اجتماعها الذي عقد البارحة في شرم الشيخ، بأن تكون أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات، هي المقر الرسمي للوكالة. وهذا لا شك إنجاز مهم، ليس للإمارات فقط ، و إنما للمنطقة و دول العالم الثالث. وضع الطاقة العضوية مشوب بالكثير من الغموض و المخاطر وقد جلب الكثير من الويلات للمنطقة، كما جلب لها من الناحية الأخرى مقومات النمو و الرفاه، و التي في نظري، لم يتم استغلالها بطرق بطرق مثلى تؤدي إلى تنمية شاملة. 
 

لقد أتت "إيرينا" إلى دارنا، و تحققت جهود عملت الدولة عليها بشكل حثيث، وبرزت الفرحة إعلاميا بشكل جلي، و وُصف الإنجاز من قبل المسؤولين و المهتمين بالإنتصار؛ الإنتصار الدبلوماسي على وجه الخصوص، ولا يمكن لأحد ذو فكر سليم أن ينكر أهمية هذا الحدث بالنسبة لدولة الإمارات و ربما للمنطقة بأسرها، إلا أنه، و في المناطق الشمالية من دولة الإمارات تحديداً، تبقى الفرحة مبتورة و غير مكتملة و ملوثة إلى حد كبير بغبار مصانع الإسمنت و الكسارات التي أتت على آمال و حيوات العديد من أبناء البلد الطيبون. لقد طالب أبناء تلك المناطق على مر العقود الثلاثة، ومازالوا يطالبون، بإيجاد حل جذري للتلوث الهائل الذي تسببت به، ومازالت، مصانع الإسمنت في منطقة خورخوير برأس الخيمة، و نتجت عنة حالات ربو مزمنة و حساسية و التهابات في الشعب الهوائية و العديد من حالات السرطان المريبة.

حري بدولة الإمارات أن تكمل انتصارها، و تنتصر لأبنائها و أن تقوم بنقل تلك المصانع من محيط القرى السكنية. حري بدولة الإمارات أن تنتصر أيضا  لمجلسها الوطني الذي طالب هو الآخر بنقل تلك المصانع بعيدا عن القرى السكنية – كما جاء بتوصية اللجنة المؤقتة والتي شُكّلت لدراسة موضوع ''التلوث البيئي وأثره على الصحة العامة'' في إبريل 2008.


لقد أعلنت الإمارات في وقت سابق عن بناء أول مدينة خالية من الكربون و النفايات في العالم، وقد سمي المشروع بمدينة "مصدر"، والمشروع إن تحقق، فسيكون الأول من نوعه في العالم، و تقول الأرقام، أن تكلفة بناء المدينة (مصدر)، سيكلف 22 مليار دولار (22,000,000,000$) و ستكون السعة الإستيعابية للمدينة قرابة الخمسين ألف (50,000) نسمة، و من المخطط أن ينتهي البناء من المدينة بحلول عام 2015. ثم يحدث أن تفوز الإمارات باستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة "إيرينا" مؤخرا، و كل ذلك يرسم أبعاد الخطة المستقبلية المتعلقة بالطاقة و التلوث في الإمارات على وجه الخصوص، وربما في المنطقة بشكل عام. وقد جاء مع فوز الإمارات بالإستضافة، الإلتزام الطوعي للدولة بتقديم خمسين مليون (50,000,000$) دولار سنويا لمشاريع التنمية في العالم الثالث و خاصة في القارة الأفريقية. المبالغ المرصودة لمدينة "مصدر" و للإعانات التنموية لا شك مبالغ ضخمة بكل المقاييس، إلا أن المفارقة الكبرى تكمن على بعد ما يقارب من مسافة 300 كلم شمالاً من إماراة أبوظبي، حيث تعمل خمس مصانع للإسمنت بالفحم الحجري، و الذي يعتبر من الملوثات الكبرى للبيئة لما يتسبب به من انبعاثات لغاز ثاني أكسيد الكربون، و بشكل ربما بمعدلات تخالف تلك المسموح بها حسب اتفاقية "كيوتو" (إتفاقية الإمم المتحدة المبدئية بشأن التغير المناخي). لقد أختارت إدارة المصانع استخدام الفحم الحجري لاعتبارات اقتصادية بحتة، ولم تضع في حسبانها أية إعتبارات إنسانية أو بيئية. وتعمل مصانع الإسمنت المتنامية في إمارتي رأس الخيمة و الفجيرة برفد أبوظبي و دبي و باقي إمارات الدولة بالإسمنت الرخيص نسبيا، و الذي كان عنصرا رئيسيا من مكونات الطفرات العمرانية الكبرى التي مرت بها كل من إمارتي دبي و أبوظبي، ولايزال. ويفسر البعض عدم تدخل الدولة الإتحادية، أو مجلس الوزراء، الذي يرأسه حاكم دبي، بوضع حل نهائي و شامل لمشكلة المصانع المتجذرة في القدم، إلى كون الإماراتين هما المستفيدتين الأكبر من وجود تلك المصانع، و نقلها أو إغلاقها، سيتسبب لهما في بناء أكثر تكلفة.
 

أصبح بقاء المصانع في أماكنها، بل وتوسعها، بعد العديد من المطالبات بنقلها من المناطق السكنية، أمرا مقلقا للغاية، و قد أصبح أيضا محرجا كذلك لدولة الإمارات في المحافل الدولية، فقد تم توصية الدولة بنقل تلك المصانع من محيط القرى السكنية في مجلس حقوق الإنسان التابع للإمم المتحدة أثناء جلسة الإستعراض الدوري الشامل لتقرير الإمارات في شهر أذار/مارس الفائت، و سيصبح الأمر أكثر إحراجا للدولة بعد فوزها باستضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة "إيرينا"، وقد لا يتكلف نقل المصانع إلى أمكان غير مؤهولة بالسكان أكثر من نصف مليار دولا (500,000,000$) حسب التقديرات، وهو مبلغ زهيد مقارنة بالمبالغ المرصودة لـ"مصدر" و "إيرينا"، فهل تنتصر الإمارات لنفسها و لأبنائها قبل أن تنصر للآخر وللعالم، و تقوم بنقل تلك المصانع إلى أمكان بعيدة عن الماطق السكنية؟ ذلك ما نأمله حقاً.
 

 

علِّق

  • يمكنك أن تكتب بالعربية و لغات أخرى من اليمين و سينساب اتجاه الكتابة تلقائيا بالشكل الصحيح.

More information about formatting options

CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
2 + 8 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.